في لبنان، لا تكمن أزمة التأمين في ارتفاع الأقساط وحده، بل في اتساع المسافة بين المخاطر التي يخشاها الناس والتغطيات التي تستطيع الشركات الالتزام بها. ومع انسحاب معيدي التأمين من بعض الأخطار، تصبح الاستثناءات التعاقدية مسألة اقتصادية تمسّ الطيران والتجارة والصحة والاستثمار، لا مجرد حروف صغيرة في وثيقة.
حين يتضرر منزل بقصف أو حريق أو فيضان، أو تتوقف شركة عن العمل بسبب حادث كبير، لا يبدأ صاحب الخسارة عادةً من سؤال قانوني معقد. إنه يبحث عن وثيقة التأمين، ويتوقع أن يجد فيها جوابًا بسيطًا: هل أنا محمي أم لا؟ لكن هذا السؤال، الذي يبدو بديهيًا عند شراء البوليصة، قد يتحول بعد وقوع الضرر إلى نزاع حول تعريف الخطر، والاستثناءات، وحدود التعويض، وما إذا كانت الحادثة تدخل أصلًا في نطاق التغطية.
في لبنان، اكتسب هذا الالتباس بعدًا يتجاوز العلاقة بين شركة ومؤمن له. فالحرب المتكررة، والانكماش المالي، وتراجع قدرة الدولة على توفير الحماية الاجتماعية، وضعت التأمين أمام اختبار مزدوج: شركات مطالبة بتغطية مخاطر تتسع كلفتها، ومواطنون ومؤسسات يحتاجون إلى حماية أكبر في وقت تصبح فيه بعض الأخطار أصعب تأمينًا أو أعلى كلفة أو مستثناة من العقود.
لكن اختزال المشكلة في اتهام شركات التأمين بالتقصير سيكون تبسيطًا مخلًا. فشركة التأمين لا تستطيع، مهما بلغت ملاءتها، أن تتحمل وحدها خسائر حرب واسعة أو كارثة تتكرر في منطقة واحدة وتضرب عددًا كبيرًا من المؤمن لهم في الوقت نفسه. وظيفة هذا القطاع تقوم أساسًا على تجميع المخاطر وتوزيعها، محليًا وعبر شركات إعادة التأمين. وإذا تعذّر نقل الخطر إلى هذه الطبقة الأوسع من السوق، تتغير شروط التغطية أو أسعارها، وقد تختفي بعض المنتجات من السوق أصلًا.
المسألة إذًا ليست ما إذا كانت شركات الضمان تريد دفع التعويضات، بل ما إذا كانت بنية السوق قادرة على تحمّل الخطر، وما إذا كان حامل الوثيقة يعرف فعلًا ما اشتراه قبل أن يحتاج إليه.
نمو لا يروي القصة
تبدو الأرقام الرسمية للقطاع للوهلة الأولى مشجعة. فقد ارتفعت أقساط التأمين المكتتبة في لبنان خلال 2025 بنسبة 15.7 في المئة إلى نحو 117.48 تريليون ليرة، أي ما يعادل 1.31 مليار دولار وفق سعر الصرف المستخدم في احتساب البيانات. وارتفعت التعويضات والمنافع المدفوعة إلى نحو 69.42 تريليون ليرة، أو 775.6 مليون دولار. كما زاد عدد المطالبات المسجلة بنسبة 13 في المئة إلى نحو 2.1 مليون مطالبة.
غير أن المقارنة مع مرحلة ما قبل الانهيار تكشف جانبًا آخر: الأقساط المكتتبة لا تزال أقل بنحو 19 في المئة من مستواها في 2019، حين بلغت قرابة 1.6 مليار دولار. أي إن السوق تنمو مقارنة بعام 2024، لكنها لم تستعد بعد حجمها السابق، كما أن نموها لا يثبت وحده اتساع الحماية التأمينية أو تحسن قدرة الأسر على تحمّل كلفتها.
وتستحوذ التغطية الصحية على نحو نصف الأقساط المكتتبة، بقيمة تقارب 661 مليون دولار في 2025، تليها تأمينات السيارات بنحو 280 مليون دولار، ثم تأمينات الممتلكات والمسؤوليات بنحو 261 مليونًا، فيما بلغت أقساط التأمين على الحياة قرابة 111 مليون دولار. هذا التوزيع يوضح أن السوق اللبنانية تعتمد بدرجة كبيرة على التأمين الصحي والسيارات، وهما مجالان يرتبطان مباشرة بالنفقات اليومية للأسر والشركات.
لكن لا يجوز قراءة الفرق بين الأقساط والتعويضات باعتباره أرباحًا للشركات. فالأقساط المكتتبة ليست كلها إيرادات نهائية متاحة للتوزيع، والتعويضات المدفوعة ليست المقياس الوحيد للكلفة. هناك عمولات الاستحواذ والتوزيع، والمصاريف الإدارية، والاحتياطيات الفنية، وأقساط إعادة التأمين، والتغيرات في الالتزامات المستقبلية، فضلًا عن دخل الاستثمار. وتُظهر بيانات 2025 أن مصاريف الاستحواذ والإدارة بلغت نحو 37.27 تريليون ليرة، فيما سجل صافي دخل الاستثمار قرابة 10.95 تريليونات ليرة، بزيادة سنوية تقارب 24 في المئة.
أما نسبة المطالبات المدفوعة إلى الأقساط المكتتبة فبلغت نحو 59 في المئة، مقابل 61 في المئة في 2024. وهذه النسبة وحدها لا تكفي للحكم على ربحية القطاع أو سلامة شركاته؛ إذ ينبغي النظر إلى صافي المطالبات بعد إعادة التأمين، والاحتياطيات، والمصاريف، ونوعية الأصول، ومدى كفاية رأس المال. فالقطاع قد يسجل نموًا في الأقساط، فيما تتزايد في الوقت نفسه مخاطر لا تظهر كاملة في الأرقام السنوية.
والمشكلة الأعمق أن ارتفاع الأقساط قد يعكس زيادة أسعار الخدمات الطبية وقطع السيارات وكلفة الإصلاح، أو ارتفاع أسعار التأمين لمواجهة المخاطر، لا زيادة عدد الأسر التي أصبحت مؤمّنة. كما أن نمو الأقساط الصحية قد ينتج من اضطرار الأسر إلى شراء تغطية خاصة بعد تراجع قدرة المؤسسات العامة على تحمّل النفقات، وليس بالضرورة من تحسن مستوى الحماية الاجتماعية.
من يؤمّن المؤمّن؟
تقوم صناعة التأمين على مبدأ يبدو بسيطًا: يدفع عدد كبير من الأشخاص أقساطًا محددة، وتُستخدم هذه الأموال لتغطية الخسائر التي يتعرض لها بعضهم. لكن هذا التجميع لا يلغي الخطر، بل يوزعه. وعندما تكون الخسارة كبيرة أو متزامنة أو مركّزة جغرافيًا، قد تصبح أكبر من قدرة شركة واحدة على تحمّلها.
هنا تظهر أهمية إعادة التأمين. فشركة التأمين المحلية التي تبيع وثائق للمنازل أو المصانع أو السفن أو الطائرات قد تنقل جزءًا من التزاماتها إلى شركة إعادة تأمين دولية، لقاء قسط متفق عليه. وبذلك لا تبقى الخسارة المحتملة محصورة في ميزانية الشركة المحلية. أما إذا رفض معيدو التأمين تغطية خطر معين، أو فرضوا عليه استثناءات وسقوفًا أعلى، فتجد الشركة نفسها أمام خيارات صعبة: إما رفع السعر، أو تقليص التغطية، أو استبعاد الخطر، أو الاحتفاظ بجزء أكبر منه على حساب قدرتها الرأسمالية.
وقد برز هذا الواقع بوضوح في لبنان مع تجدد الحرب الإقليمية في آذار 2026. ففي مقابلة مع صحيفة «لوريان لوجور» في 7 آذار، قال رئيس جمعية شركات الضمان، أسعد ميرزا، إن معيدي التأمين لم يعودوا يغطون مخاطر الحرب في لبنان والمنطقة، مشيرًا أيضًا إلى صعوبة تحصيل الأقساط من بعض المؤمن لهم بسبب الظروف الأمنية. لكنه لم يقل إن شركات التأمين المحلية أصبحت عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها، بل أشار إلى أنها لم تكن تواجه آنذاك مشكلات خطيرة، مع استمرارها في تغطية الأضرار التي تشملها الوثائق القائمة.
هذا التمييز أساسي. فانسحاب معيدي التأمين من تغطية خطر الحرب لا يعني أن كل شركات التأمين توقفت عن العمل، ولا أن جميع الوثائق فقدت مفاعيلها، ولا أن كل الأضرار أصبحت خارج التغطية. لكنه يعني أن الخطر الذي لا يجد من يعيد تأمينه يصبح أكثر صعوبة في التسعير والتوزيع، وأن الشركة المحلية لا تستطيع أن تعد بما لا تملك القدرة المالية أو التعاقدية على تحمّله.
والتأثير لا يتوقف عند مالك المنزل أو صاحب السيارة. ففي قطاع الطيران، يؤدي ارتفاع كلفة تأمين مخاطر الحرب أو تعذر الحصول عليه إلى زيادة نفقات شركات الطيران، وقد ينعكس على أسعار التذاكر، أو على قرار بعض الناقلات تعليق رحلاتها. وفي النقل البحري، يمكن لاستثناءات المخاطر الأمنية أن ترفع كلفة الشحن والتغطية، فتدخل هذه الزيادة في حسابات المستوردين والمصدرين، ثم تصل إلى أسعار السلع وسلاسل الإمداد.
وتقدم وثيقة نادي التأمين الدولي TT Club مثالًا ملموسًا على ذلك. ففي تعميم مؤرخ في 28 تشرين الأول 2026، أعلن النادي تعديل المناطق المستثناة من تغطية مخاطر الإضرابات وأعمال الشغب والإرهاب لبعض فئات وثائقه، على أن يدخل التعديل حيز التنفيذ عند منتصف ليل 5 تشرين الثاني بتوقيت غرينتش. وأدرج لبنان ضمن المناطق التي تُلغى أو سبق أن أُلغيت عنها هذه التغطية في نطاق الوثائق المعنية.
لكن من الخطأ تعميم القرار على سوق التأمين كلها؛ فهو صادر عن نادٍ دولي محدد، ويخص فئات معينة من التغطيات والأعضاء، وليس قرارًا شاملًا بإلغاء جميع أنواع التأمين عن لبنان. ومع ذلك، تكمن أهميته في أنه يكشف كيف تتحول المخاطر الجيوسياسية إلى شروط تعاقدية محددة، وكيف يمكن أن تنتقل آثارها إلى شركات النقل والموانئ والمستودعات والتجارة.
الاستثناء هو القاعدة؟
في التأمين، لا تكمن القيمة الحقيقية للوثيقة في عدد الصفحات أو حجم القسط، بل في حدود الالتزام الذي تقرره. فقد تكون وثيقة الممتلكات سارية المفعول، لكنها تستثني الأضرار الناجمة عن الحرب أو الأعمال العسكرية أو الإرهاب. وقد تشمل وثيقة الحياة تغطية الوفاة، لكنها تضع شروطًا خاصة للوفاة الناتجة من العمليات الحربية. وقد تغطي وثيقة صحية الاستشفاء، لكنها تحدد سقوفًا سنوية، أو تستثني حالات سابقة، أو تفرض نسب تحمّل وموافقات مسبقة.
هذه ليست بالضرورة ممارسات غير قانونية. فالتأمين لا يعني تغطية كل خطر محتمل، والاستثناءات جزء من تسعير الوثيقة وتحديد نطاقها. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الاستثناءات غير واضحة، أو لا تصل إلى المؤمن له بطريقة مفهومة قبل توقيع العقد، أو تُصاغ على نحو يترك مجالًا واسعًا للنزاع عند تقديم المطالبة.
ويشير دليل «تشامبرز» القانوني لعام 2025، في عرضه للممارسات التأمينية في لبنان، إلى أن النزاعات المرتبطة بتغطية مخاطر الحرب شهدت تعديلات متكررة في الشروط والسقوف والاستثناءات. كما وثّق القيود التي فرضتها المخاطر الجيوسياسية على تغطيات الطيران والحياة، والتغير في حدود التغطية بحسب المناطق وتصنيف المخاطر. وتناول الدليل كذلك النزاعات الناشئة من غموض صياغة بعض الوثائق، ولا سيما في تحديد نطاق الاستثناءات والحدود الجغرافية.
وهنا تبرز مسؤولية الشركة والوسيط معًا. فليس كافيًا أن تُسلّم إلى العميل وثيقة طويلة مكتوبة بلغة فنية، ثم يُطلب منه اكتشاف حدودها عند وقوع الضرر. ينبغي أن يعرف بوضوح ما الذي تغطيه البوليصة، وما الذي تستثنيه، وما سقف التعويض، وما المهل المطلوبة للإبلاغ عن الحادث، وما المستندات التي يتوجب عليه تقديمها. وإذا كانت التغطية لا تشمل الحرب، فيجب أن يكون ذلك ظاهرًا ومفهومًا، لا مدفونًا في ملحق لا يقرأه معظم المشترين.
وفي المقابل، لا يجوز للمؤمن له أن يتعامل مع البوليصة باعتبارها ضمانًا مفتوحًا لكل خسارة. فالإفصاح الصحيح عن المعلومات، والالتزام بشروط العقد، وتقديم المستندات المطلوبة، كلها عناصر تؤثر في استحقاق التعويض. التأمين علاقة تعاقدية تقوم على الإفصاح المتبادل وحسن النية، لا وعدًا مطلقًا بإزالة نتائج كل حادث.
القانون بعد الخسارة
ينظم قطاع التأمين في لبنان المرسوم رقم 9812 الصادر في 4 أيار 1968، إلى جانب أحكام قانون الموجبات والعقود، ولا سيما المواد 950 إلى 1023، والقرارات التنظيمية الصادرة عن لجنة مراقبة هيئات الضمان في وزارة الاقتصاد والتجارة. وتملك اللجنة صلاحيات رقابية وتدخلية، تشمل متابعة عمل الشركات وإصدار التوجيهات واتخاذ التدابير والعقوبات ضمن الإطار القانوني.
لكن وجود جهة رقابية لا يعفي من اختبار فعالية الرقابة. فالمستهلك لا يحتاج إلى معرفة أن هناك لجنة تراقب القطاع فحسب؛ بل يحتاج إلى أن يعرف كيف يمكنه الاعتراض على رفض المطالبة، وما إذا كانت الشركة تملك احتياطيات كافية، وكيف تُتابع الشكاوى، وما المدة التي تستغرقها التسوية، وما المعلومات التي تُنشر عن أداء الشركات.
وتنص المادة 48 من المرسوم رقم 9812، وفق العرض القانوني المنشور في دليل «تشامبرز»، على إمكانية اللجوء إلى مجلس التحكيم التأميني المنشأ لدى وزارة الاقتصاد والتجارة في فئات من النزاعات، من بينها المطالبات المرتبطة بالاستشفاء والأدوية وتأمين المركبات وحوادث السير، على ألا تتجاوز قيمة المطالبة 75 مليون ليرة، وألا يكون المدعي قد سبق أن أقام دعوى قضائية في المسألة نفسها. ويطرح هذا السقف الاسمي سؤالًا عن مدى ملاءمته بعد التغير الكبير في قيمة العملة والأسعار؛ فالمطالبة التي كانت تُعد كبيرة أو صغيرة عند وضع النص قد لا تحمل الدلالة الاقتصادية نفسها اليوم.
كذلك، تخضع المطالبات الناشئة عن وثائق التأمين، من حيث الأصل، لمهلة مرور الزمن المحددة في المادة 985 من قانون الموجبات والعقود، وهي سنتان من وقوع الحادث، مع حالات خاصة يبدأ فيها احتساب المهلة من تاريخ العلم بالواقعة. وهذا تفصيل لا يجوز للمؤمن له تجاهله، لأن تأخره في المطالبة أو في اتخاذ الإجراءات القانونية قد يعرّض حقه للخطر.
أما قانون حماية المستهلك رقم 659/2005، فيوفر إطارًا إضافيًا لحماية المتعاملين مع مقدمي الخدمات، ويتيح تقديم الشكاوى إلى مديرية حماية المستهلك. كما يتيح القانون للمؤمن له اللجوء إلى القضاء عند النزاع، ويمكن للمحكمة أن تحكم بالتعويض عند التأخير غير المبرر في دفع المستحقات وفق الشروط القانونية ذات الصلة.
غير أن الوصول إلى الحق لا يتوقف على وجود النص القانوني. فالمواطن الذي يواجه رفضًا لمطالبته قد لا يملك المال أو الوقت لخوض نزاع قضائي طويل، فيما تكون الشركة أكثر خبرة في قراءة الشروط والاستثناءات وتقديم الحجج الفنية. وهذا الاختلال في القدرة التفاوضية يجعل الشفافية قبل توقيع العقد أكثر أهمية من معالجة النزاع بعد وقوع الضرر.
الصحة ليست سوقًا فقط
يظهر التناقض الاجتماعي في التأمين الصحي بوضوح أكبر من أي قطاع آخر. فالتأمين الصحي يستحوذ على نحو 50.4 في المئة من الأقساط المكتتبة في لبنان خلال 2025، لكن ذلك لا يعني أن نصف السكان باتوا محميين بتغطية صحية خاصة، ولا أن السوق الخاصة قادرة على سد الفجوة التي تركها تراجع التغطية العامة.
فوفق مذكرة اليونيسف المنشورة في تشرين الأول 2025 حول تمويل الرعاية الصحية الأولية في لبنان، لا يتمتع أكثر من نصف السكان بتغطية صحية رسمية، فيما ارتفعت المدفوعات الصحية المباشرة من جيوب الأسر من نحو 33 في المئة عام 2018 إلى أكثر من 85 في المئة عام 2022. وهذه النسبة الأخيرة تصف حصة الإنفاق المباشر من إجمالي الإنفاق الصحي في تلك السنة، ولا تعني أن 85 في المئة من السكان غير مؤمّنين.
هذا التمييز مهم، لأن نمو سوق التأمين الصحي يمكن أن يتزامن مع استمرار اتساع فجوة الحماية. فالأسر التي تستطيع شراء وثيقة خاصة تحاول حماية نفسها من كلفة الاستشفاء، لكن شرائح واسعة لا تستطيع تحمل الأقساط أو تجد أن الوثيقة المتاحة لا تغطي كامل الفاتورة. كما أن ارتفاع كلفة الخدمات الطبية والأدوية يضغط على شركات التأمين، التي قد تلجأ إلى زيادة الأقساط أو تعديل سقوف التغطية أو فرض نسب تحمّل أعلى.
ولا يمكن معالجة هذه الحلقة بتحميل شركات التأمين وحدها مسؤولية ضمان الرعاية الصحية للجميع. فالتأمين الخاص يقوم على قدرة الفرد أو المؤسسة على دفع القسط، بينما التغطية الصحية الشاملة تحتاج إلى تمويل تضامني وسياسة عامة تجمع الاشتراكات والضرائب والإنفاق الصحي وتحدد حزمة خدمات أساسية يمكن الوصول إليها. وإذا تُركت الرعاية الصحية لمن يستطيع شراء الوثيقة، يتحول التأمين من أداة لتوزيع المخاطر إلى امتياز مرتبط بالدخل.
والأمر نفسه ينطبق على الكوارث الطبيعية والحوادث الكبرى. فالتأمين الخاص يمكن أن يخفف خسائر الأسر والشركات، لكنه لا يستطيع وحده تمويل إعادة إعمار واسعة بعد حرب أو زلزال أو فيضان. في هذه الحالات، تحتاج الدولة إلى آليات لإدارة الكوارث، وصناديق طوارئ، وقواعد للبناء والتخطيط، وربما شراكات مع قطاع التأمين لتطوير منتجات قابلة للتسعير. فترك كل شيء للسوق يعني أن المناطق الأعلى خطرًا قد تصبح غير قابلة للتأمين أو أن أقساطها تصبح باهظة، فيما تتحمل الأسر الفقيرة الخسارة كاملة.
رقابة قابلة للقياس
لا يحتاج لبنان إلى حملة ضد شركات التأمين، ولا إلى مطالبتها بتغطية أخطار لا تستطيع تحمّلها. ما يحتاج إليه هو تنظيم يجعل حدود التغطية واضحة، ويقيس قدرة الشركات على الوفاء بالتزاماتها، ويمنع نقل المخاطر إلى العملاء من خلال صياغات لا يفهمونها.
أولًا، ينبغي أن تتجه لجنة مراقبة هيئات الضمان إلى نشر مؤشرات أكثر تفصيلًا وانتظامًا عن القطاع، تشمل الأقساط المكتتبة والمطالبات المدفوعة والمطالبات المعلقة، ونسب الرفض وأسبابه، ومعدلات التسوية، والاحتياطيات الفنية، والملاءة، والتعرض لمخاطر إعادة التأمين. فالأرقام الإجمالية مفيدة، لكنها لا تكشف وحدها ما إذا كانت المطالبات تُدفع في مواعيد معقولة أو ما إذا كانت بعض فروع التأمين أكثر هشاشة من غيرها.
ثانيًا، ينبغي توحيد الحد الأدنى من الإفصاح في وثائق التأمين الموجهة إلى الأفراد، عبر ملخص واضح لا يتجاوز صفحات قليلة، يشرح التغطيات الأساسية والاستثناءات والسقوف ونسب التحمل وإجراءات المطالبة. ولا يغني ذلك عن الشروط العامة، لكنه يجعل المقارنة بين العروض ممكنة، ويمنح العميل فرصة لفهم ما يشتريه قبل الالتزام.
ثالثًا، يجب مراجعة آليات تسوية النزاعات، بما فيها سقف مجلس التحكيم التأميني المنصوص عليه في المرسوم، وتقييم مدى ملاءمته للقيم الاقتصادية الحالية. كما ينبغي تعزيز نشر القرارات والمبادئ التوجيهية، بحيث لا تبقى معرفة المستهلك بحقوقه رهينة استشارة خاصة أو تجربة سابقة مع شركة معينة.
رابعًا، على الدولة أن تدرس أدوات لتغطية الأخطار الكارثية التي لا يستطيع السوق الخاص تحمّلها وحده، من دون تحويلها إلى ضمان مفتوح للشركات أو إعفاء لها من مسؤولياتها. ويمكن أن تشمل هذه الأدوات ترتيبات مشتركة بين القطاعين العام والخاص، وصناديق مخصصة، وآليات لإعادة التأمين، شرط أن تقوم على تسعير شفاف وتوزيع عادل للمخاطر، وأن تحدد بوضوح متى يبدأ تدخل الدولة ومتى ينتهي.
وأخيرًا، ينبغي ألا ينحصر النقاش في التأمين الصحي أو السيارات، بل أن يشمل التأمين على الممتلكات والأعمال الصغيرة والزراعة والنقل البحري والجوي. فضعف التغطية في هذه القطاعات لا يهدد صاحب البوليصة وحده؛ بل قد يرفع كلفة الاستثمار والإنتاج والاستيراد، ويجعل المؤسسات أقل قدرة على التعافي بعد أي صدمة.
في الاقتصاد السليم، لا يُطلب من التأمين أن يمنع الحوادث، ولا أن يعوض كل خسارة مهما كان مصدرها. وظيفته أن يحوّل الخطر الفردي الكبير إلى التزام مالي يمكن توزيعه والتخطيط له. لكن هذه الوظيفة لا تتحقق بمجرد بيع الوثائق وتحصيل الأقساط؛ بل تتطلب شركة قادرة على الوفاء، ومعيد تأمين مستعد لتحمّل حصته، ورقابة تضمن الملاءة والشفافية، ومستهلكًا يعرف حدود حقه.
قد يشتري اللبناني بوليصة ليحمي منزله أو صحته أو عمله، لكنه لا يشتري بذلك وعدًا بأن كل ما يخشاه مشمول بالتغطية. والمشكلة تبدأ عندما لا يعرف هذا الفرق إلا بعد وقوع الخسارة. عندها لا يعود السؤال كم دفع قسطًا، بل لماذا لم تكن الحماية التي اعتقد أنه اشتراها هي الحماية التي وجدها في الوثيقة.





















































